المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المواطن حين يصير متسولاً! ..


أبو جلنار
20-Sep-2007, 05:17 PM
المواطن حين يصير متسولاً!

العلاقة بين أي دولة ومواطنيها خاصة ومتميزة، ليست بالضرورة جيدة، لكنها مختلفة عن علاقة غير المواطن (الأجنبي) بهذه الدولة، بالرغم من أن هذا الاختلاف يتمايز بشدة بين دولة وأخرى. ففي بعض الدول لا يشعر المرء أنه أجنبي إلا حين يجد نفسه لا يذهب للمقارات الانتخابية للتصويت.

وبالعموم فإن أبسط تعريفٍ لمفهوم المواطنة كما يفهمه العامة من أمثالي، لا أساتذة علم الاجتماع، هو أنها علاقة تبادلية، أو علاقة مصالح مشتركة، وبشكل أدق: الحقوق مقابل الواجبات. فالدولة يفترض أن تمنح رعاياها الأمن (بمفهومه الواسع) والحرية والعدالة والمساوة، كما أنها تدير موارد البلاد، وتسخرها لخدمة الدولة ككل والمواطن كفرد، وعلى رأس الأولويات الموجودة في أجندة كل الدول على اختلافها: التعليم والصحة. فهذه تعتبر في الغالب، خاصة لدى الدول المتقدمة، والدول القادرة، من الحقوق التي لا جدال فيها. وبالمقابل فإن المواطن يقدم للدولة ولائه التام، فيحترم قوانينها ابتداء، ويحرس أمنها ويحفظه، ولا يخونها، ويؤدي عمله بجد والتزام، ويساهم قدر استطاعته في رفعة شأنها. وفي الظروف الصعبة، كالاحتلال والعدوان والحروب وغيرها، فإن من واجبات المواطن أن يبذل روحه إن استطاع لأجل الدفاع عن بلاده ودولته حرة وعزيزة ومستقلة.

لقد لفت نظري وأنا أقلب صفحات أكثر من جريدة محلية، هذا الكم الهائل من النداءات والتوسلات، التي ينشرها بعض المواطنين من أجل الحصول على حقوقٍ مشروعة، أقرتها الدولة نفسها ابتداء. فهنا طالبات كلية في إحدى المدن الصغيرة يشتكين من عدم حصولهن على مكافآتهن الشهرية لأكثر من عام. وهناك..قرية مازالت بانتظار مستوصف أو وحدة صحية، وحيٌ ينتظر الإنارة، وشارع بحاجة إلى سفلتة، ومريضٌ بحاجة إلى علاج، وقضايا تنتظر البت فيها لعدة سنوات: طلاق..حضانة..نفقة..صك أرض..ميراث..الخ، وطلابٌ ضاقت بهم المدرسة، ومستشفى خالٍ من الأدوية، وخريجيون ينتظرون التعيين لأكثر من ست سنوات، وسيلٌ لا ينتهي من المطالب التي ما كان يفترض أن يضطروا للمطالبة بها. ليس لأنه لا يحق لهم ذلك، بل لأنه يفترض أن تمنح لهم تلقائياً، فمشكلاتهم تدور غالباً حول البديهيات والأساسيات التي لا تستقيم حياة أي منا بدونها.
والأكثر إيلاماً من هذه النداءات والاستغاثات المنشورة، هو حين شاهدت لحظة مرورنا بالسيارة في أحد شوارع مدينتنا الراقية أكواماً من البشر متكدسين هنا وهناك بالقرب من باب أحد المسؤولين ذات يومٍ صيفي، ينتظرون أن يتكرم عليهم أحد ويحمل مطالبهم إليه. فالرجال من مختلف الأعمار، بثيابهم البيضاء وأشمغتهم الحمراء، ينتظرون بصبرٍ نافذٍ أن يُفتح لهم الباب، يقفون حاملين ملفات خضراء، أو أوراقاً بيضاء، أو لا شيء إلا همهم وحاجتهم المختزنة في صدورهم. والنساء أيضاً كانوا هناك يومها، بعبائتهن السوداء، تظهر عيونهن المتعبة من خلف نقابهن، وقد جلست معظمهن على الرصيف الملاصق لبيت المسؤول، ومعهن أوراقهن، ودلال القهوة، وترامس الماء، يستعن بها على ما يبدو على قضاء مهمة الانتظار الصعبة.

لم يكن هذا المنظر ساراً أبداً، بل كان مؤلماً، وهو أن ترى هذه الجحافل من المواطنين، وكأنما هي تتسول في بلادها حقوقها. فأنا أكاد أجزم بأن طلبات هؤلاء لن تخرج -إلا فيما ندر- عن تلك المذكورة آنفاً في صفحات الجريدة، ولعل اليأس هو الذي دفعهن لأن يقرعوا هذا الباب بعد أن فشلت الوسائل الأخرى في حل المشكلات العالقة. وحينها تساءلت هنا أما كان يوجد حلٌ أفضل؟

من البداهة أن نقول بأن هذه المشكلات ما كانت لتوجد أصلاً، لو كان هناك تخطيط سليم، وحسن إدارة، ومحاربة للواسطة والمحسوبية، في هذه المنطقة أو تلك، وفي هذا الجهاز أو ذاك. ولو كانت الرقابة مفعَّلة، ولو كنا جميعاً نؤدي واجباتنا بصدق وإخلاص وكفاءة. ولكن لأننا لسنا في عالم مثالي، فمن الطبيعي أن توجد مشكلات من هذا النوع، سواء في بلادنا أو في أماكن مختلفة من العالم. وإذا سلمنا بهذه الحقيقة، فيفترض أن نفكر في الكيفية التي تتم بها معالجة الأمور على نحو لا يضطر الناس فيه لأن يتسولوا على هذا النحو، فكيف يتم ذلك؟

ليست لدي حلول سحرية، وصدقاً لست متأكدة من الحل الأمثل للقضية، وذلك لتداخل وتشعب هذه المشكلات مع أكثر من جهة رسمية وغير رسمية. لكن في الحد الأدنى في أنني أتصور أن كل وزارة أو بلدية أو جهة إدارية أو رقابية أو مركز أو محافظة أو منطقة، يفترض بأن يكون لديها خط ساخن، وقسم فعال وحقيقي، مسؤول على استقبال الناس وشكاويهم والرد عليها، ومتابعة ما تؤول إليه. ولأننا في عصر التقنية والحكومات الالكترونية، فيجدر بنا الاستفادة من ذلك، وتوفير هذه الخدمة - للقادرين- عبر الشبكة الإلكترونية، وبالتالي تخفيف الزحام وعدد من سيضطرون لمراجعة هذه الأقسام شخصياً، أو للاتصال بها عبر الهاتف، وبالتالي تقل التكلفة وتزداد الفعالية.

ومن الوسائل التي ستسهم في الحد من هذه الظواهر السلبية والتي لا تليق ببلدٍ كبلدنا، هي محاربة الواسطة بكل أنواعها، وأبرزها محاربة فعل السحر الذي تفعله ورقة صادرة عن هذا المسؤول أو ذاك، فهي قادرة على أن تقبل طالبأً في كلية الطب دون أحقية أو أفضلية حققها بجهده الشخصي، وعلى أن تعين معيداً جامعياً تم رفضه بالإجماع بعد مقابلة شخصية، وأن تنقل معلماً أو معلمة إلى مدرسة بجوار البيت تماماً دون حتى أن يداوم أحدهما في مدرسته البعيدة لمدة شهر واحدة، وحصول سيدة خمسينية (وابنتها!) على بعثة دراسية وهي على أبواب التقاعد. وعدم دخول شاب يقود بدون رخصة الحبس ولو ليوم واحدٍ، بعد أن تسبب بحادث راح ضحيته رب أسرة مقيمة. وكل هذه الأمثلة المذكورة حصلت بالفعل، وليست اختلاقاً، وأنا أكيدة بأن لدى الجميع، من محيطهم الضيق قصص أكثر إثارة للرعب والغضب.

فهكذا ممارسات تزهد الناس في أن يتبعوا الطرق المشروعة والنظامية للحصول على حقوقهم، وتجعلهم يؤمنون بأن استجداء المسؤولين، وإراقة ماء الوجه على الأبواب أجدى لهم وأنفع.

إن العلاقة الخاصة بين المواطن ودولته من الأهمية بمكان، ولا بد أن يشعر كل طرف بالحد الأدنى من الثقة والاحترام والإيمان بالطرف الآخرن، وإذا قصر أحد الأطراف، لا سيما الطرف الأقوى في واجباته، فإن العلاقة برمتها ستضرر على المدى البعيد، وباختلالها تبرز لدينا مشكلات أمنية وسياسية واجتماعية. كما لا بد للمسؤول أن يعي أن وظيفته بالأصل هي حفظ وتقوية هذه العلاقة بخدمة المواطن، وأن أي مال يتم صرفه للمواطنين على أية صورة كانت، ليست منة أو مكرمة منه، وإنما حقٌ لهم في ثروة بلادهم الوطنية، ودرهم وقاية اليوم..خيرٌ من قنطار علاج غداً.



مرام عبدالرحمن مكّاوي

* كاتبة سعودية، وطالبة دراسات عليا بالمملكة المتحدة.

هادي
20-Sep-2007, 08:34 PM
جزااااااااك الله خير على النقل

مشكوووووووووور



سلام

هاوي بر
22-Sep-2007, 01:25 AM
مشكور اخي الكريم ابوجلنار على هالتقرير

بارك الله فيك

تقبل مروري

M.A.X
23-Sep-2007, 04:16 AM
مشكووووور على الكلام الرائع والنقل المميز

مشكووووووووور

تقبل مروري

سلام ,,,,,,

نيللي
05-Nov-2007, 06:16 PM
مرسي على طرحك الجرئ

نيللي