أبو جلنار
21-Sep-2007, 04:43 PM
بالفصيح
من أحاديث القرى "ليلة الإفطار"
عبدالله الناصر
في شهر رمضان الكريم كان أهل القرى عادة يهتمون بالأساتذة الوافدين اهتماماً كبيراً.. بل بالأساتذة جميعاً.. وكان للمدرس هيبة وحرمة وكرامة.. لم تعد موجودة اليوم إلا عند من رحم ربك من بقية أولئك الذين يقدرون العلم والمعرفة..
المهم أن أهل إحدى القرى صاروا يتناوبون إفطار المدرسين الوافدين من أماكن متعددة من الوطن العربي.. كل ليلة يكون الإفطار عند ولي أمر.. وكان أولياء الأمور يتسابقون في الأولوية لإكرام المدرسين.. وعادة يدعى مدير المدرسة وإمام المسجد ووجهاء وكبار الجماعة للوليمة التي يعدها المولم.. بل كان المولمون يتنافسون في نوعية الطعام وجودته من أجل إظهار الكرم والاهتمام وكذلك إظهار الوجاهة.. فكل يحاول أن يبرز ويظهر شيئاً مختلفاً في الأكل والشرب والآنية..
وذات يوم كانت الدعوة عند أحد أولياء أمور الطلبة وكان صاحب مزرعة.. وكان الأساتذة يأتون باكراً بعض الشيء يتجمعون في نقطة معينة ثم ينطلقون إلى الداعي.. وصلوا إلى منزله ولا يزال في النهار بقية.. فاستأذنوا بأن يتمشوا في مزرعته إلى أن يقترب موعد الأذان.. وأخذوا يتجولون داخل بستانه الجميل.. بينما الآخرون من أهل القرية يتوافدون إلى المنزل حيث الأمور نشطة وقائمة على قدم وساق استعداداً لساعة الغروب..
ويبدو أن اثنين من الجماعة مرّا بالمدرسين داخل المزرعة فشمّا رائحة دخان "تتن".. فأسرّا بذلك إلى الداعي وأخبراه بالخبر.. وأقسما أنهما شمّا رائحة الدخان.. وكانا موضع ثقة الرجل.. فأسقط في يده ولم يدر ما يفعل.. وأراد أن يتدبر الأمر ويتريث في اتخاذ قرار معين.. ولكن أحد شرطة البلد كان من بين المدعوين وسمع الحديث.. وكان المؤذن يوشك على الأذان.. وجماعة الأساتذة قد أقبلوا نحو البيت تحدوهم فرحة الإفطار واللهفة إلى المائدة.. مع ما يحاط بهم من احترام وتبجيل يضفي عليهم نوعا من الهيبة والسمت والوقار..
وراح الداعي يراقب الوضع في حذر وحيرة كما يرقب وجه الشرطي الذي أخذ يربد ويحمر.. وعينيه اللتين يتطاير منهما الشرر. وارتبك الداعي فالوقت قد داهمه وهو غير قادر، بصرف النظر عن ذلك كله، على أن يعمل شيئاً، فالجو ليس جو أخذ وعطاء وحوار ومناكفة، بل هو جو ضيافة وإكرام..
دخل الأساتذة والمائدة قد مدت وعليها ما لذ وطاب من طعام وشراب والقوم متحلقون قد خيمت عليهم سكينة اللحظة.. واحتساب الأجر.. وينتظرون فرحة الصائم.. وفجأة قفز الشرطي وقال موجهاً كلامه إلى الأساتذة وقد توكأ على عصاه الضخمة: أقسم بالله أن أحداً منكم لن يمد يده على الإفطار.. ولن يشرب قطرة ماء إلا عندما نعرف من الذي منكم قد دخّن في المزرعة ولم يكن صائماً..؟ رانت الحيرة وخيم الارتباك على الأساتذة.. بل ران الخجل على الكثير منهم بسبب وجود الإمام والجماعة الذين انشدهوا وصوبوا أنظارهم نحو المدرسين.. حيث تلاشى ذلك الاحترام.. وطار ذلك الجلال.. وتحولوا في نظر الجماعة إلى مجموعة من السفهاء الذين لا يستحقون التقدير ولا دعوات المناسبات الدينية الشريفة.. وكان أحد الأستاذة قد بلغ به الذعر مداه وراح يتلفت ويترقب وعيناه زائغتان تتراوغان وكأنه يريد الانفلات..
قفز أخو الداعي وكان قوياً وجريئاً وأمسك بتلابيب الشرطي وسحبه ورمى به في الشارع.. لحظتها أذن المؤذن وشرع القوم في الإفطار.. بعد برهة التفت الإمام إلى الأساتذة قائلاً : يا أساتذة أنا لا أصدق أبداً أن مسلماً وأستاذاً سوف يفطر في رمضان.. وأنتم عندنا فوق الشبهات.. ولا يمكن أن نصدق ما سمعناه مطلقاً.. وهذا إما كذب وبهتان.. أو وسوسة شيطان.. فقد يكون الذي شم الرائحة قد شبه له.. أو أنه شم شيئاً آخر.. وتأكدوا ان ثقتنا فيكم فوق الشكوك، ثم تابع بإصرار قائلاً: وإفطاركم يوم غد سيكون في منزلي.. ثم أقسم على ذلك ثلاثاً..
تهللت وجوه الأساتذة بالبشر.. وانشرحت نفوسهم، وذهب عنهم ما كانوا فيه من كرب وهمّ، ودبت فيهم روح الثقة، ودعوا للإمام بطول العمر.. وحضروا يوم غد على مائدة الشيخ الجليل كلهم ماعدا صاحب العينين الزائغتين.. فقد اختفى وزاغ عن الوليمة.. وربما أنه زاغ عن البلدة كلها..
من أحاديث القرى "ليلة الإفطار"
عبدالله الناصر
في شهر رمضان الكريم كان أهل القرى عادة يهتمون بالأساتذة الوافدين اهتماماً كبيراً.. بل بالأساتذة جميعاً.. وكان للمدرس هيبة وحرمة وكرامة.. لم تعد موجودة اليوم إلا عند من رحم ربك من بقية أولئك الذين يقدرون العلم والمعرفة..
المهم أن أهل إحدى القرى صاروا يتناوبون إفطار المدرسين الوافدين من أماكن متعددة من الوطن العربي.. كل ليلة يكون الإفطار عند ولي أمر.. وكان أولياء الأمور يتسابقون في الأولوية لإكرام المدرسين.. وعادة يدعى مدير المدرسة وإمام المسجد ووجهاء وكبار الجماعة للوليمة التي يعدها المولم.. بل كان المولمون يتنافسون في نوعية الطعام وجودته من أجل إظهار الكرم والاهتمام وكذلك إظهار الوجاهة.. فكل يحاول أن يبرز ويظهر شيئاً مختلفاً في الأكل والشرب والآنية..
وذات يوم كانت الدعوة عند أحد أولياء أمور الطلبة وكان صاحب مزرعة.. وكان الأساتذة يأتون باكراً بعض الشيء يتجمعون في نقطة معينة ثم ينطلقون إلى الداعي.. وصلوا إلى منزله ولا يزال في النهار بقية.. فاستأذنوا بأن يتمشوا في مزرعته إلى أن يقترب موعد الأذان.. وأخذوا يتجولون داخل بستانه الجميل.. بينما الآخرون من أهل القرية يتوافدون إلى المنزل حيث الأمور نشطة وقائمة على قدم وساق استعداداً لساعة الغروب..
ويبدو أن اثنين من الجماعة مرّا بالمدرسين داخل المزرعة فشمّا رائحة دخان "تتن".. فأسرّا بذلك إلى الداعي وأخبراه بالخبر.. وأقسما أنهما شمّا رائحة الدخان.. وكانا موضع ثقة الرجل.. فأسقط في يده ولم يدر ما يفعل.. وأراد أن يتدبر الأمر ويتريث في اتخاذ قرار معين.. ولكن أحد شرطة البلد كان من بين المدعوين وسمع الحديث.. وكان المؤذن يوشك على الأذان.. وجماعة الأساتذة قد أقبلوا نحو البيت تحدوهم فرحة الإفطار واللهفة إلى المائدة.. مع ما يحاط بهم من احترام وتبجيل يضفي عليهم نوعا من الهيبة والسمت والوقار..
وراح الداعي يراقب الوضع في حذر وحيرة كما يرقب وجه الشرطي الذي أخذ يربد ويحمر.. وعينيه اللتين يتطاير منهما الشرر. وارتبك الداعي فالوقت قد داهمه وهو غير قادر، بصرف النظر عن ذلك كله، على أن يعمل شيئاً، فالجو ليس جو أخذ وعطاء وحوار ومناكفة، بل هو جو ضيافة وإكرام..
دخل الأساتذة والمائدة قد مدت وعليها ما لذ وطاب من طعام وشراب والقوم متحلقون قد خيمت عليهم سكينة اللحظة.. واحتساب الأجر.. وينتظرون فرحة الصائم.. وفجأة قفز الشرطي وقال موجهاً كلامه إلى الأساتذة وقد توكأ على عصاه الضخمة: أقسم بالله أن أحداً منكم لن يمد يده على الإفطار.. ولن يشرب قطرة ماء إلا عندما نعرف من الذي منكم قد دخّن في المزرعة ولم يكن صائماً..؟ رانت الحيرة وخيم الارتباك على الأساتذة.. بل ران الخجل على الكثير منهم بسبب وجود الإمام والجماعة الذين انشدهوا وصوبوا أنظارهم نحو المدرسين.. حيث تلاشى ذلك الاحترام.. وطار ذلك الجلال.. وتحولوا في نظر الجماعة إلى مجموعة من السفهاء الذين لا يستحقون التقدير ولا دعوات المناسبات الدينية الشريفة.. وكان أحد الأستاذة قد بلغ به الذعر مداه وراح يتلفت ويترقب وعيناه زائغتان تتراوغان وكأنه يريد الانفلات..
قفز أخو الداعي وكان قوياً وجريئاً وأمسك بتلابيب الشرطي وسحبه ورمى به في الشارع.. لحظتها أذن المؤذن وشرع القوم في الإفطار.. بعد برهة التفت الإمام إلى الأساتذة قائلاً : يا أساتذة أنا لا أصدق أبداً أن مسلماً وأستاذاً سوف يفطر في رمضان.. وأنتم عندنا فوق الشبهات.. ولا يمكن أن نصدق ما سمعناه مطلقاً.. وهذا إما كذب وبهتان.. أو وسوسة شيطان.. فقد يكون الذي شم الرائحة قد شبه له.. أو أنه شم شيئاً آخر.. وتأكدوا ان ثقتنا فيكم فوق الشكوك، ثم تابع بإصرار قائلاً: وإفطاركم يوم غد سيكون في منزلي.. ثم أقسم على ذلك ثلاثاً..
تهللت وجوه الأساتذة بالبشر.. وانشرحت نفوسهم، وذهب عنهم ما كانوا فيه من كرب وهمّ، ودبت فيهم روح الثقة، ودعوا للإمام بطول العمر.. وحضروا يوم غد على مائدة الشيخ الجليل كلهم ماعدا صاحب العينين الزائغتين.. فقد اختفى وزاغ عن الوليمة.. وربما أنه زاغ عن البلدة كلها..